أحمد بن محمد مسكويه الرازي
107
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
و ) وسطية الفضائل : وإذ قد تقصينا الفضائل الأول واقسامها وذكرنا أنواعها واجزاءها ، فقد عرفنا الرذائل التي تضاد الفضائل ، لأنه يفهم من كل واحدة من تلك الفضائل كلها ما يقابلها ؛ لان العلم بالاضداد واحد . ولما كانت هذه الفضائل هي أوساطا بين أطراف ، وتلك الأطراف هي الرذائل ، وجب أن تفهم منها وان إتّسع لنا الزمان ذكرناها ، لان وجود أسمائها في هذا الوقت متعذر . « 1 » وينبغي أن تفهم من قولنا ان كل فضيلة فهي وسيطة بين رذائل ما أنا واصفه . ان الأرض لما كانت في غاية البعد من السماء قيل إنها وسط وبالجلمة المركز من الدائرة هو على غاية البعد من المحيط ، وإذا كان الشيء على غاية البعد من شيء آخر فهو من هذه الجهة على القطر . فعلى هذا الوجه ينبغي ان يفهم معنى « الوسط من الفضيلة » ، إذ كانت بين رذائل بعدها منها أقصى البعد . ولهذا إذا انحرفت الفضيلة عن موضعها الخاص بها أدنى انحراف قربت من رذيلة أخرى ولم تسلم من العيب بحسب قربها من تلك الرذيلة التي تميل إليها . ولهذا صعب جدا وجود هذا الوسط ، ثم التمسك به بعد وجوده أصعب ، ولذلك قالت الحكماء : إصابة نقطة الهدف أعسر من العدول عنها ولزوم الصواب بعد ذلك حتى لا يخطئها أعسر وأصعب . وذلك ان « الأطراف » التي تسمى « رذائل » من الافعال والأحوال والزمان وسائر الجهات كثيرة جدا . ولذلك دواعي الشر أكثر من دواعي الخير ، ويجب ان يطلب أوساط تلك الأطراف بحسب انسان انسان . فاما ما يجب علينا نحن ، فهو ان نذكر جمل هذه الأوساط وقوانينها ، بحسب ما
--> ( 1 ) . لكثرة الرذائل في ذلك الوقت ، كيف في عصرنا الحاضر . . . ؟